المغرب: منظمة غولن متوغلة في مجالي التعليم والثقافة

0

يشعر إبراهيم أكتاش، رئيس مجلس إدارة مجموعة مدارس محمد الفاتح بالمغرب، التابعة لجماعة الخدمة التركية، بالقلق الشديد منذ أن قدم القائم بأعمال السفارة التركية في الرباط إبراهيم خليل صاكلي، طلبا لوزارة الخارجية المغربية، « لاتخاذ اللازم » تجاه مؤسسات جماعة الخدمة التي يرأسها الداعية التركي فتح الله غولن، المتهم بالوقوف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت وقائعها في 15 يوليو/ تموز الماضي.
يصف أكتاش هذه الخطوة بالغريبة والخطأ الجسيم، مبررا ذلك بأن مدارس « محمد الفاتح »، حاصلة على رخص التعليم من طرف الوزارات المعنية وفق القوانين الجاري بها العمل في المغرب، وتخضع لتفتيش ومراقبة الدولة المغربية منذ انطلاقتها قبل 22 عاما، والتي يصفها متخصصون بـ « رأس حربة » لتواجد منتسبي ما بات يعرف في تركيا بـ »الكيان الموازي » بالمغرب، إذ يصف هؤلاء ذلك التواجد بـ »الطاغي » الذي يصل إلى حد التغلغل بقوة في أوصال المجتمع المغربي، عبر بوابات التعليم والثقافة والتجارة، في ما يعد مخالفوهم الأمر « حضورا عاديا »، لا يعدو كونه عبارة عن مدارس ومبادرات ثقافية.

حضور « الخدمة » بالمغرب

سجل العام 1994 الحضور الأول لأتباع فتح الله غولن في المغرب، عبر مدرسة ابتدائية شيدوها في مدينة طنجة، بدعم من رجل أعمال مغربي، كما يوضح الأكاديمي والخبير المتابع للشأن التركي، وعضو المجلس المغربي للشؤون الخارجية، الدكتور إدريس بوانو، متابعا « إن الحركات النورسية المنتسبة لفكر بديع الزمان النورسي، ومن بينها جماعة غولن، تتواجد بالمغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، وكان دخولها للمغرب على شكل طلاب أو تجار رأوا في المغرب فضاءً مناسبا تربويا وثقافيا وتجاريا ».
وأضاف بوانو أنه من هؤلاء الأتراك من أسس شركات تتاجر بالبضائع التركية داخل المغرب، ومنهم من اتجه إلى مجال التعليم، فأسسوا مدارس تعليمية وفق ما تسمح به السلطات المغربية، كما نسجوا علاقات علمية مع شُعَب للدراسات الإسلامية والأدب والتاريخ داخل الجامعات المغربية، وعقدوا مجموعة من الندوات العلمية والثقافية تحت أنظار السلطات المغربية.
وأكمل بوانو بأن علاقة الجماعة مع الشخصيات الإسلامية بالمغرب، وفي ما بعد مع غيرها من الشخصيات الفكرية والسياسية والصحافية أخذت تتطور شيئا فشيئا، ولكن في إطار علاقة أشخاص وليس علاقة مؤسسات، لأن الجماعة لم تكن قط لها هيئات رسمية تحمل اسمها بقدر ما تبلور وجودها في شكل شركات تجارية أو مراكز ثقافية أو مدارس تعليمية.
واستطرد المتحدث بأن جماعة الخدمة استفادت أيضا من الانفتاح الذي ما فتئ المغرب يعرفه مع وصول الملك محمد السادس ورؤيته لتنويع شركاء المغرب السياسيين والاقتصاديين، ما سمح بوصول عدد من المستثمرين الأجانب، ومنهم بعض الشركات التركية، سواء منها المنتسبة لجماعة الخدمة أو غيرها المنتسبة للتيار العلماني والقومي التركي.

مؤسسات محمد الفاتح

لدى جماعة « الخدمة » التركية سبع مؤسسات تعليمية بالمغرب تسمى مجموعة « محمد الفاتح »، أولاها انطلقت سنة 1994 بمدينة طنجة، شمالي المملكة، قبل أن تضاف مدارس أخرى في كل من تطوان والجديدة والرباط والدار البيضاء ومراكش وأغادير، تضم تلك المدارس 2400 تلميذ، وفق ما يؤكده رئيس مجلس إدارة مجموعة مدارس محمد الفاتح.
واعتبر إبراهيم أكتاش، في تصريحات لـ »العربي الجديد »، أن مدارس « محمد الفاتح » تنشط وفق المناهج المقررة لدى وزارة التربية والتعليم الوطنية، وتخضع لتفتيش ومراقبة الدولة المغربية، مثل بقية المدارس الخاصة الأخرى.
وبالنسبة للمسؤول التركي ذاته، فإن مدارس « محمد الفاتح » لا تتعدى مهامها تطبيق العملية التعليمية والتربوية وفق منهاج وزارة التعليم المغربية، مثل العديد من المؤسسات التعليمية الخاصة الأخرى، مبينا أنها تتميّز بالعناية باللغة العربية أكثر من غيرها، مع الانفتاح على لغات وعلوم العصر الأخرى.

دعوات الإغلاق

انبرت الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة « تاسكا » (مقرها يقع في أنقرة)، لمطالبة المغرب بإغلاق المؤسسات التعليمية « محمد الفاتح » التابعة لجماعة فتح الله غولن، واتهمت هذه المدارس بكونها تستخدم أوكارا للتجسس، وتفريخ الخونة والمرتزقة، وأنها تشكل تهديدا مباشرا على أمن المغرب أيضا ».

ثقافة وسياحة وتجارة

ودعت الجمعية التركية العربية، في بيان حصل عليه « العربي الجديد »، المواطنين المغاربة إلى مقاطعة المدارس والمؤسسات التي تديرها جماعة غولن التي وصمتها بكونها إرهابية، ونصحهتم بعدم تسجيل أبنائهم في مدارس هذه الجماعة، « لأنه سيتم إغلاقها عاجلا أم آجلا »
مصدر مسؤول من وزارة التربية الوطنية، رفض الكشف عن هويته، قال لـ »العربي الجديد »، إن هذه المؤسسات التعليمية التركية خاضعة للقانون المغربي الذي ينظم التعليم الخاص بالمملكة، مبرزا أنه يصعب الحديث عن إغلاقها أو معاقبتها لأسباب سياسية، ما دامت لم تخرق بعد القوانين الجاري بها العمل داخل البلاد.
وردت إدارة مؤسسة محمد الفاتح للتربية والتعليم بتطوان على هذه الاتهامات والدعوات، بأن المدارس تعمل بشكل عادي وقانوني بما تمليه عليها قوانين المملكة المغربية تحت إشراف « الوزارة الوصية »، داعية إلى عدم الاكتراث بما سمته « الأخبار الشائعة ».
ويحدد إدريس الكنبوري، الباحث في الشأن الإسلامي، مصدر قوة حركة غولن في المغرب قائلا « هذه الحركة قادرة على التكيّف مع القوانين المحلية في كل بلد تنشط فيه، وهذا ما ضمن لها الانتشار في العديد من الدول عبر العالم ».
وتابع الكنبوري بأنه حسب اطلاعه على التجربة داخل تركيا من خلال زيارات للمشاركة في مؤتمرات ولقاءات فكرية نظمتها حركة غولن، فإن مناهجها التعليمية تمزج ما بين المقررات التي تضعها الحركة وتعكس فكرها التربوي، ومقررات رسمية صادرة عن وزارة التعليم التركية، والنوعان معا من المقررات يخضعان للمراقبة من طرف وزارة التعليم.


لا يعد التعليم والتربية وحدهما أبرز ملامح « إمبراطورية » غولن بالمغرب، وإنما يمتد الأمر إلى الجانب اللغوي والثقافي الذي يتيح لجماعة الخدمة « التغلغل » برفق ونعومة داخل المجتمع المغربي، دون التصادم مع القوانين المعمول بها في المملكة، كما يؤكد سعد، الموظف السابق بالمعهد الثقافي واللغوي التركي بالرباط. وبحسب المتحدث، الذي رفض التعريف عن نفسه، فإن المركز الثقافي واللغوي التركي الذي انطلق بالعمل قبل خمس سنوات، يعمل على تقريب العادات والطقوس التركية من المغاربة، خاصة تلك التي تتسم بنفحات شبه صوفية، وهو ما يعكس توجهات حركة غولن الصوفية والتربوية.
ووفقا لما وثّقه معد التحقيق، فإن توسع نشاط جماعة الخدمة، يعود إلى العام 2011 عقب تأسيس المركز الثقافي واللغوي التركي في الرباط، إذ كانت علاقة حزب العدالة والتنمية التركي بحزب العدالة والتنمية المغربي شديدة القوة، ما ساهم في توسيع دائرة انتشار الحركة في أوساط المغاربة، بحسب الطالب المغربي في جامعة الفاتح في إسطنبول سعيد أحمد (اسم مستعار)، والذي حصل على منحة من المركز الثقافي واللغوي التابع لجماعة غولن، إذ كان يظن أن المركز حكومي مثل نظيره المسمى « يونس إمرة »، التابع للحكومة التركية.
ويؤكد الطالب المغربي الذي التحق بالمرحلة الإعدادية والثانوية في مدارس الفاتح، التابعة للحركة في المغرب، عبر منحة، تلاها اختبار قدرات، ومنها إلى جامعة الفاتح بإسطنبول، التابعة لحركة الخدمة، أن النابغين من الملتزمين بفكر غولن لديهم فرص أكبر من غيرهم للحصول على منح جامعية في 15 جامعة تابعة للحركة في تركيا.
ونظم المركز الثقافي واللغوي ذاته مهرجانا خلال السنة الماضية، في إطار الاحتفال بالأيام الثقافية المغربية التركية، بإشراف من وزارة الثقافة المغربية، يتأسس شعاره، بحسب إبراهيم أكتاش، على التمسك بخيار السلم ونبذ العنف وإرساء جسور الحوار بين تركيا وبلدان العالم، ومنها المغرب ».
وينشط المركز في توزيع مجلة حراء، التابعة للتنظيم، والتي يكتب فيها عدد من كبار العلماء والدعاة المغاربة، من أعضاء الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، بالإضافة إلى الترويج لكتب زعيم التنظيم فتح الله غولن المنتشرة بين المهتمين بالثقافة الإسلامية في المغرب، كما يؤكد باحثون ومتخصصون.
ووفق محمد فوزي، المواطن المغربي الذي اعتاد القيام بجولات سياحية إلى تركيا، فإن المركز اللغوي والثقافي هو أحد مؤسسات جماعة الخدمة التركية، ويضطلع بدور تسهيل سفر المغاربة الراغبين في استكشاف تركيا، مبرزا أنه « أحد المغاربة المستفيدين من رحلات سياحية ينظمها المركز بأسعار منخفضة إلى تركيا ». وعلى غرار التعليم والثقافة، سهّلت جماعة الخدمة التعاملات التجارية داخل المغرب، من خلال خلق شركات تجارية مغربية تركية، وهو ما يبرزه إدريس بوانو، الذي تحدث عن وجود أكثر من ستين شركة، بعضها ربح صفقات مهمة طرحتها بعض مؤسسات الدولة المغربية.
ولفت الخبير المغربي في الشأن التركي إلى أن بعض تلك الصفقات التجارية استفادت من الإقبال الذي ما فتئت السلع التركية تعرفه عند المستهلك المغربي، مردفا أن الذي ساهم في ذلك كله صورة النموذج الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي أصبحت تركيا تقدم نفسها به للبلدان العربية والإسلامية.
هل تم اختراق الإسلاميين المغاربة؟

هل اخترقت جماعة الخدمة جهات وأطرافا إسلامية بالمغرب؟ سؤال طرحه « العربي الجديد » على باحثين وإسلاميين، باعتبار أن العلاقات يصفها متابعون مغاربة بالجيدة، وأيضا بالنظر إلى احتضان مجلة « حراء » الفكرية التابعة لجماعة غولن للعديد من الأقلام الإسلامية.
يقول الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية إدريس الكنبوري، إن تبني الإسلاميين المغاربة لنموذج حركة غولن أسقطهم في تناقض واضح ما بين دعوى الخصوصية المغربية وبين التسويق لنموذج أجنبي، كما أن الانفصال بين أردوغان والحركة وضعهم في مأزق ما بين السياسي والتربوي، فالإسلاميون المغاربة بمراهنتهم على حزب العدالة والتنمية التركي على حساب الحركة بعد الخصومة بين الطرفين، أظهروا أن المشروع السياسي لديهم يحتل الصدارة على حساب المشروع التربوي.

ويرى منتصر حمادة، مدير مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، في تصريح لـ »العربي الجديد »، أن حضور الجماعة في المغرب حضور تربوي ودعوي وعلمي أساساً، ولا علاقة له بطبيعة حضور باقي المشاريع الإسلامية ذات الهوى المشرقي، من قبيل الحضور الإخواني أو السلفي الوهابي.

واعتبر حمادة أن موضوع اختراق جماعة غولن لإسلاميين وحركات إسلامية مغربية أمر مبالغ فيه، ما دام الحضور لا يتجاوز السقف العلمي والتربوي، ويكفي تأمل تفاعل الأقلام المغربية ذات المرجعية الإسلامية الحركية (الإخوانية أو السلفية الوهابية)، لكي نتأكد أن حضورها لا زال متواضعا.

وينفي الدكتور محمد بولوز، القيادي في حركة التوحيد والإصلاح، أبرز التنظيمات الإسلامية بالمغرب، والتي يشار إليها بكونها أرست علاقات تربوية ودعوية مع حركة غولن، في تصريحات لـ »العربي الجديد »، وجود أية علاقة رسمية بين الحركة وجماعة غولن التركية.

وأكد بولوز أن حركة التوحيد والإصلاح حركة مستقلة في وثائقها ومواقفها، وفي واقع الممارسة، وتأخذ مسافة من هذه الناحية مع الجميع داخل المغرب وخارجه، وتزداد الحساسية مع الخارج أكثر، « والذي يجمعنا مع الإسلاميين من ذوي خط الوسطية والاعتدال عموما هو الاحترام والتناصح والتعاون على الخير ».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظه © شبكة مِجْهَار

تصميم الورشه